في سباقٍ لا يهدأ بين الشركات لاستقطاب أفضل الكفاءات، لم يعد السؤال الأهم: ماذا يملك المرشح من شهادات؟ بل أصبح: ماذا يستطيع أن ينجز فعليًا؟
لقد غيّرت التحولات المتسارعة في سوق العمل طريقة التفكير في التوظيف وإدارة المواهب. فلم يعد الرهان على الأوراق الرسمية وحدها مجديًا، بل باتت المهارات هي العملة الجديدة في سوق عملٍ تحكمه الكفاءة والقدرة على التكيف.
جدول المحتويات
في ظل التحولات الجذرية في سوق العمل وتحدياته خاصة فيما يتعلق باتجاهات التوظيف وإدارة المواهب، أصبح لزامًا على الشركات إجراء تحولات جذرية في نهجها في التوظيف واستقطاب المواهب، إذ لم يعد حصر الاهتمام على المؤهلات التقليدية والشهادات الأكاديمية كافيًا للبقاء في المنافسة في سوق عمل تحركه المهارات، فما هو التوظيف القائم على المهارات، وهل حقًا تتجاوز أهميتها أهمية الخبرات؟
ما هو التوظيف القائم على المهارات؟
التوظيف القائم على المهارات Skills based hiring هو نهج أكثر تطورًا للتوظيف يمنح الأولوية للمهارات ذات الصلة بالوظيفة بدلًا من الشهادات الأكاديمية أو المؤهلات التقليدية أو المسميات الوظيفية، هذا النهج يمنح الشركات نظرة أكثر شمولية ويُؤهلها لتحديات المستقبل، ويوفر مرونة أكبر تضاعف فرصة استقطاب المواهب المؤهلة التي تمتلك المهارات المطلوبة لكنها قد تفتقر إلى بعض المتطلبات التقليدية غير الضرورية في الواقع لأداء مهام الدور الوظيفي.
في هذا السياق، فقد كشف استطلاع أجرته جمعية إدارة الموارد البشرية SHRM أن 52% من أصحاب الأعمال قرروا تقليص المتطلبات التعليمية التقليدية في التوظيف في مقابل التركيز أكثر على المهارات والقدرات. وفي المقابل؛ فإن التوظيف القائم على المهارات يوفر على الشركات إضاعة الوقت والجهد والمال المبذول في توظيف مرشحين حاصلين بالفعل على الشهادات الأكاديمية والدرجات العلمية المطلوبة في الوصف الوظيفي، لكنهم في الواقع يفتقرون للمهارات المتخصصة المطلوبة للوظيفة، والأهم أنهم في كثير من الأحيان قد يفتقرون للمهارات الشخصية والكفاءات التي تؤهلهم للتكيف مع تحديات المستقبل.
وهذا يمكن أن نعدّه الميزة الجوهرية في نهج التوظيف القائم على المهارات وهي أنه يجعل الشركات «جاهزة لتحديات المستقبل بمواهب مؤهلة للتكيف مع مهام الغد وليس مهام اليوم فقط».
تخيل أن يكون جميع الموظفين في منشأتك تم توظيفهم بناءً على نتائج اختبارات للمهارات الأساسية ذات الصلة بالوظيفة وتقييمات للمهارات الشخصية! هذا يعني أنك على دراية بالمهارات الفعلية للموظف منذ يومه الأول في الشركة، مما يوفر كثيرًا من الوقت والجهد لتحديد المهام الموكلة ولإنشاء خطط التدريب والتطوير.
وتعد التكنولوجيا بمثابة اليد الثالثة للموارد البشرية في التوظيف القائم على المهارات، إذ تقطع شوطًا كبيرًا من الجهد في توفير تقييمات عالية الدقة والجودة وفي فرز السير الذاتية واستخراج الأكثر مطابقة وفي إجراء الاختبارات والمقابلات باستخدام الذكاء الاصطناعي للوصول إلى المرشح المناسب للمكان المناسب في أسرع وقت وبجودة أعلى.
هل التوظيف القائم على المهارات هو نهج جديد جذريًا؟
التوظيف القائم على المهارات أو بمعنى أكثر شمولًا «اقتصاد المهارات» ليس نهجًا جديدًا جذريًا بالمعنى الحرفي، بل هو تطور استدعته الحاجة المُلحَّة للبقاء في المنافسة في السوق، هذا التطور نشأ تدريجيًا استجابةً للتطور السريع في الصناعات، لسد فجوة نقص المهارات التي تعاني منها الشركات ولتأهيلها لتحديات المستقبل، ويرتكز على وضع المهارات الفنية والمهارات الناعمة في مقدمة محددات صنع القرار بدلًا من الشهادات أو المسميات الوظيفية، وهذا من شأنه أن يوسع قاعدة المواهب ويعالج مشكلات فشل التوظيف التي تعاني منها الشركات مع نمط التوظيف التقليدي.
لماذا تتزايد أهمية التوظيف القائم على المهارات في الوقت الحالي؟
سوق العمل عالميًا وعربيًا يواجه نقصًا في المواهب التي تحتاجها الشركات لتكون قادرة على المنافسة والمواكبة، ويبدو بما لا يدع مجالًا للشك أن تلك الأزمة في طريقها نحو التفاقم مستقبلًا، وأزمة نقص المواهب تلك لا تعني بالضرورة نقص الشهادات والدرجات العلمية، لكنها بالتأكيد تكشف عن نقص المهارات أو على الأقل صعوبة استقطاب ذوي المهارات الحقيقية في سوق العمل. وهذا ما يؤكده التقرير الصادر عن شركة كورن فيري الذي كشف عن توقعات مقلقة لأصحاب الأعمال، إذ أشار إلى توقعات بوجود ما يزيد عن 85 مليون وظيفة شاغرة بحلول عام 2030، والسبب وفقًا للتقرير هو عدم وجود ما يكفي من المرشحين ذوي المهارات لشغلها! وإذا لم تُسَد تلك الفجوة، فيُتوقع أن يؤدي هذا إلى هدر في الإيرادات السنوية يصل إلى 8.5 تريليون دولار.
وبالنظر من زاوية أخرى، فإن أزمة نقص المواهب لدى الشركات لها جانب يتعلق بمدى قدرة الموارد البشرية على استقطاب المواهب اللازمة، إذ تشير أبحاث مؤسسة جالوب إلى أن كثيرًا من الشركات تفشل إداريًا في انتقاء المرشحين ذوي المهارات المطلوبة المناسبة للوظيفة بنسبة تصل إلى 82% من الوقت!
ويرجع جزء كبير من هذا الفشل إلى خلل في استهداف المرشح المثالي، والذي اعتقدت كثير من الشركات على مدار عقود أنه فقط المرشح صاحب أكبر عدد من الشهادات الأكاديمية وأعلى الدرجات العلمية، وبالتأكيد تسبقها سنوات طويلة من الخبرة، وافترض أصحاب الأعمال أن ذلك يجعل فرصة نجاح التوظيف أكبر، لكن في سوق العمل اليوم الذي يتمتع بالديناميكية، فإن حصر وصف المرشح المثالي على تلك المتطلبات ليس كافيًا أبدًا لإثبات امتلاكه للمهارات المطلوبة للوظيفة. وتأكيدًا على ذلك، فقد كشفت دراسة تابعة لهارفارد بيزنس ريفيو عن وجود علاقة ضعيفة بين الشهادات الأكاديمية ومستوى الأداء الوظيفي.
لذا، فإن توجه الشركات اليوم نحو نهج التوظيف القائم على المهارات والإمكانات في المقام الأول يوجهها نحو المسار الصحيح لاستقطاب المواهب، ويجعلها قادرة على المنافسة ويجهزها لتحديات المستقبل. فيما يلي، نوضح في نقاط موجزة الميزات التنافسية التي تتمتع بها الشركات التي تعتمد هذا النهج.
المرونة والتكيف
كما أشرنا، فإن سوق العمل الحالي يتسم بالديناميكية والتطور، وتستلزم محاكاته قدرًا من المرونة والقدرة على التكيف، والحقيقة أن المنظمات القائمة على المسميات الوظيفية فقط بدون قاعدة من المهارات المتخصصة ستعاني من الجمود في وجه التطورات، بينما الشركات القائمة على المهارات تكون أكثر مرونة بنسبة 57% وفقًا لأبحاث شركة ديلويت. وهذا ما أكده 72% من أصحاب الأعمال في دول مجلس التعاون الخليجي، إذ صرحوا باعتقادهم أن المهارات العملية تفوق الشهادات العلمية في أهميتها عند تقييم المرشحين للوظائف وفقًا لدراسة أجرتها شركة برايس ووترهاوس كوبرز .
التعاقب الوظيفي والتنقل الداخلي
الشركات القائمة على المهارات لديها قاعدة من الثقة والاستقرار، سواء فيما يتعلق بالتعاقب الوظيفي في حال انسحاب أي موظف أو في حال الترقيات، أو عند حالة الحاجة إلى إجراء انتقالات داخلية بين الأقسام، لأن مهام العمل فيها مبنية على مجموعة من المهارات المتخصصة وليس المسميات الوظيفية الجامدة، والموظفين تم تقييمهم ومعرفة نقاط قوتهم وضعفهم وما يمتلكون من مهارات، فيسهل تنقلهم بين الأقسام لإنجاز ما هم متخصصين فيه من مهام. وهذا يعني زيادة الفرصة أمام المنشآت للاستثمار في قواها العاملة المتاحة مما يقلل دوران الموظفين ويضاعف الجاهزية للطوارئ ويعزز استدامة المواهب.
الإعداد للمستقبل
أصبحت وتيرة التغيّر في طبيعة الأعمال ومتطلباتها والتحديات أسرع من أي وقت مضى، مما يعني أنه من الوارد جدًا أن تصبح أي شهادات أكاديمية أو مهارات تقليدية قديمة خلال سنوات قليلة قادمة، وهذا ما أشار إليه التقرير الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025 «تقرير مستقبل الوظائف»، فقد كشف عن أن 39% من المهارات الأساسية للوظائف ستصبح قديمة خلال الخمس سنوات القادمة، حينها لا يمكن للشركات أن تعوّل إلا على مهارات الموظفين الشخصية والاستثنائية وقدرتهم على التجاوب مع التطور والنمو، وهذا ما يتم تقييمه بدقة في عملية التوظيف القائم على المهارات.
وفيما يتعلق بما يحمله المستقبل من تحديات، فإن الخلفيات التعليمية التقليدية غالبًا ستكون هي الأقل لحاقًا بالركب، وسيبرز حينها أصحاب المهارات الأكثر قدرة على التكيف، ويبدون مرونة لاستكشاف مهام المستقبل حتى المستحدثة منها، لأنهم لا يرتكزون على خلفياتهم التعليمية أو شهاداتهم الأكاديمية، بل يركزون على ما يمكن أن يكتسبوه من مهارات متخصصة لتلبية احتياجات المستقبل.
قاعدة مواهب أوسع
معايير التوظيف التقليدية التي ترتكز على قائمة من اشتراطات المؤهلات أصبحت قيدًا في أيدي الشركات يحول دون وصولها إلى المواهب الاستثنائية، فضلًا عن أنها ليست ذات فاعلية -تحديدًا- في استقطاب الجيل الحالي من المواهب، في الوقت الذي تشير فيها إحصاءات لينكدإن الاقتصادية إلى أن تبني الشركات لنهج التوظيف القائم على المهارات يؤدي إلى زيادة قاعدة المواهب بقرابة 10 أضعاف في المتوسط.
هل التوظيف القائم على المهارات يمكن تطبيقه في كل المجالات؟
نهج التوظيف القائم على المهارات مفيد في أغلب القطاعات، لكن بالتأكيد ثمة مجالات لا يمكن التغاضي فيها عن الشهادات الجامعية والتراخيص ونحو ذلك، مثل القطاعات الطبية أو القانونية، لكن هذا لا ينفي أبدًا إمكانية الاستفادة من استهداف المهارة والكفاءة في المرشحين من خلال تقنيات التوظيف القائم على المهارات بجانب المؤهلات والشهادات المطلوبة، لضمان عملية توظيف بجودة أعلى.
خاتمة
إن التوظيف القائم على المهارات ليس مجرد اتجاه عابر، بل هو إعادة صياغة جذرية لجوهر عملية التوظيف، حيث تتحول المعايير من شهادات قد تفقد قيمتها مع الزمن إلى مهارات تعكس القدرة الحقيقية على الإنجاز والتطور. الشركات التي تعيد التفكير في إستراتيجياتها وتبني هذا النهج مبكرًا، لا تقتصر مكاسبها على توسيع قاعدة المواهب أو رفع جودة الاختيار، بل تضع نفسها على الطريق الصحيح لمستقبل مليء بالمرونة والجاهزية والتنافسية العالية.
فالخلاصة بسيطة: إذا أردت أن توظف لمهام الغد، فعليك أن تبحث اليوم عن المهارات، لا عن الألقاب.
قبل أن تتخذ قرار التوظيف التالي.. اكتشف كيف يوظّف القادة الأذكياء
اشترك في رسائلنا البريدية لتصلك أحدث محتويات تالنتيرا المتخصصة في جذب أفضل المواهب في أهم قطاعات الأعمال.

